سيد محمد طنطاوي
95
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وكان بين نوح وإبراهيم ، نبيان كريمان هما : هود ، وصالح - عليهما السلام - والظرف في قوله - تعالى - : * ( إِذْ جاءَ رَبَّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) * متعلق بمحذوف تقديره : اذكر أي : اذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - وقت أن جاء إبراهيم إلى ربه بقلب سليم من الشرك ومن غيره من الآفات كالحسد والغل والخديعة والرياء . والمراد بمجيئه ربه بقلبه : إخلاص قلبه لدعوة الحق ، واستعداده لبذل نفسه وكل شيء يملكه في سبيل رضا ربه - عز وجل - . فهذا التعبير يفيد الاستسلام المطلق لربه والسعي الحثيث في كل ما يرضيه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى المجيء بقلبه ربه ؟ قلت : معناه أنه أخلص للَّه قلبه ، وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلا لذلك « 1 » . وقوله : * ( إِذْ قالَ لأَبِيه وقَوْمِه ما ذا تَعْبُدُونَ ) * شروع في حكاية ما دار بينه وبين أبيه وقومه . والجملة بدل من الجملة السابقة عليها ، أو هي ظرف لقوله * ( سَلِيمٍ ) * أي : لقد كان إبراهيم - عليه السلام - سليم القلب ، نقى السريرة ، صادق الإيمان ، وقت أن جادل أباه وقومه قائلا لهم : أي شيء هذا الذي تعبدونه من دون اللَّه - تعالى - ثم أضاف إلى هذا التوبيخ لهم توبيخا آخر فقال لهم : * ( أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّه تُرِيدُونَ ) * ؟ . والإفك أسوأ الكذب . يقال أفك فلان يأفك إفكا فهو أفوك . . إذا اشتد كذبه . وهو مفعول به لقوله * ( تُرِيدُونَ ) * وقوله * ( آلِهَةً ) * بدل منه . وجعلت الآلهة نفس الإفك على سبيل المبالغة . أي : أتريدون إفكا آلهة دون اللَّه ؟ إن إرادتكم هذه يمجها ويحتقرها كل عقل سليم . ثم حذرهم من السير في طريق الشرك فقال : * ( فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) * . والاستفهام للإنكار والتحذير من سوء عاقبتهم إذا ما استمروا في عبادتهم لغيره - تعالى - . أي : فما الذي تظنون أن يفعله بكم خالقكم ورازقكم إذا ما عبدتم غيره ؟ إنه لا شك سيحاسبكم على ذلك حسابا عسيرا ، ويعذبكم عذابا أليما ، وما دام الأمر كذلك فاتركوا عبادة هذه الآلهة الزائفة . وأخلصوا عبادتكم لخالقكم ورازقكم . قال الآلوسي : قوله : * ( فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) * أي : أي شيء ظنكم بمن هو حقيق بالعبادة ، لكونه ربا للعالمين ؟ أشككتم فيه حتى تركتم عبادته - سبحانه - بالكلية ، أو أعلمتم أي شيء هو حتى جعلتم الأصنام شركاءه أو أي شيء ظنكم بعقابه - عز وجل - حتى اجترأتم على الإفك عليه ، ولم تخافوا عذابه . « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 48 . ( 2 ) راجع تفسير الآلوسي ج 23 ص 110 .